الراغب الأصفهاني
93
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
فإذا جلست فكن مجيبا سائلا * إنّ الكلام يزين ربّ المجلس الحثّ على الإكثار من الكلام قال حكيم : لولا سوء العادة لأمرت فتياني أن يماري بعضهم بعضا . وقال العتابي : أقدر الناس على الكلام من عوّد لسانه الركض في ميادين الألفاظ . طول الصمت حبسة « 1 » وترك الحركة عقلة . وقال أبو عطاء : أقلّبه كيلا يكلّ بحبسة * وأبعثه في كلّ حقّ وباطل تفضيل الصمت قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : رحم اللّه عبدا صمت فسلم ، أو قال خيرا فغنم ، فجعل الصمت أفضل لأن السلامة أصل والغنيمة فرع . قال الشاعر : أقلل كلامك واستعذ من شرّه * إنّ البلاء ببعضه مقرون « 2 » وقال آخر : مت بداء الصّمت خير * لك من داء الكلام تفضيل كل واحد منهما في أوانهما والتمدّح بهما قيل لبعضهم : السكوت أفضل أم النطق ؟ فقال : السكوت حتّى يحتاج إلى النطق ، فإذا احتيج إلى النطق فالسكوت حرام . وقيل ليونس بن حبيب « 3 » : السكوت أفضل أم الكلام ؟ فقال : السكوت عن الخنا أفضل من الكلام بالخطإ ، وقيل : الضراط في أوانه خير من الكلام في غير زمانه . قال الشاعر : والصمت أزين بالفتى * من منطق في غير حينه « 4 » وقيل : ربما كان الصمت أبلغ من الإبلاغ في النطق مع عدم إصابة الفرصة . قال ابن الرومي : ناهيك من صمت بلا عيّ به * وكذاك من لسن بغير سفاه « 5 »
--> ( 1 ) الحبسة : العقدة في اللسان . ( 2 ) مقرون : أي مرتبط . ( 3 ) يونس بن حبيب : هو يونس بن حبيب الضبيّ [ ( 92 ه - 710 ) ( 182 ه - 798 م ) ] ، وهو من أقدم النحاة البصريين من شيوخه أبو عمرو بن العلاء والأخفش الأكبر ، ومن آثاره : القياس في النحو . ( 4 ) المنطق ( هنا ) : الكلام . ( 5 ) اللسن : الفصاحة .